الأربعاء، 21 أبريل 2010

الفضيحة التي جرت في سمسطا



جمال سلطان 

ما حدث في سمسطا ببني سويف هذا الأسبوع شيء لا يصدق ، ويعني أن حالة التطرف في بعض الأوساط القبطية وصلت إلى حدود خطرة بالفعل ، خاصة تلك المتعلقة بمكان الأقباط في "الوطن" وتصورهم لمعنى "الدولة" ومسألة ولايتها على عموم المواطنين وحدود الكنيسة ودورها ، الأزمة التي لم يكن لها أي معنى أن شابا مسيحيا رغب في التحول إلى الإسلام بمحض إرادته ، وذهب بالفعل إلى الأزهر بمفرده وأعلن إسلامه حيث فوجئوا بأنه يحفظ أجزاء من القرآن ، ولا يملك الأزهر ولا غيره أن يرد أحدا طلب الإسلام ، لأنها مسألة معنوية لا أكثر ، وأما النواحي الأخرى القانونية والاجتماعية فتحكمها مؤسسات قانونية أو رسمية ، القيادة الكنسية طالبت بالقبض على الشاب سامي عزيز (18 عاما) واحتجازه في الكنيسة حتى يتوب ويعلن عودته إلى الكنيسة والمسيحية من جديد ، الشاب اختفى خشية البطش به بعد التحريض القبطي ضده ، فتمت مطاردته من قبل المهاوييس ، حتى أن إشاعة أطلقت أنه "يختبيء" في قسم الشرطة ، وتأملوا معي حكاية "يختبيء" في قسم الشرطة ، وكأنه يختبيء عند بعض الخارجين عن القانون مثلا ، أو كأن لجوء المواطن إلى الشرطة لحماية حياته هو جريمة ينبغي أن يعاقب عليها الاثنان ، المواطن والشرطة معا ، وهو ما حدث ، حيث تنادى أكثر من أربعمائة مواطن قبطي وساروا في موكب صاخب إلى قسم شرطة سمسطا حيث حاصروه وأمطروه بالحجارة فأصابوا اثنين من الضباط وأربعة من المجندين ، والمثير للشفقة أن نائب مدير الأمن بدلا من أن يستخدم صلاحياته لفض التظاهرة والقبض على من اعتدوا "على السلطات العامة" وهي جريمة بنص القانون ، راح يستلطف المعتدين ، وطلب من بعض القساوسة أن "يفتشوا" قسم الشرطة بأنفسهم ليتأكدوا من أنه "برئ" وأن الشاب سامي عزيز ليس موجودا في القسم ، هل يمكن القول بأن هذا سلوك "دولة" لها سيادة وقانون وهيبة ، منتهى التهريج ، وهو يعني أن الأمر مستقبلا يحتاج إلى عدة مئات أو آلاف من الطرف الآخر لوقف المهزلة ، طالما أن الدولة خرجت من الوجود وفقدت مشروعيتها الأساسية في توفير الأمن والأمان لكافة المواطنين وبسط سيادة القانون ، التقارير التي نشرت بعد ذلك أكدت على أن التوجيه بالتظاهرة والهجوم على مقر الشرطة كان بتوجيه من البابا شنودة نفسه ، الذي غضب من إعلان إسلام الشاب ، وهو ما يعني أن تيار التطرف في الحالة القبطية تغلغل حتى رأس الكنيسة ذاتها ، وقد كان البعض يتحدث سابقا عن اختطاف القاصرات وإغوائهن من أجل التحول عن المسيحية إلى الإسلام ، ونشرت أكاذيب كثيرة في هذا الإطار ، داخل مصر وخارجها ، ولكنا الآن لسنا أمام فتيات قاصرات ، وإنما أمام شاب في الثامنة عشرة من عمره ، واقتنع بالإسلام ، أيا كان من وصل له معلومات عن الإسلام ، لأنه يعيش في مجتمع مختلط وغالبيته الساحقة من المسلمين كما أن المعرفة بالأديان اليوم من أبسط ما يكون ، حتى بدون وسيط ، مجرد ضغطة زر على الكومبيوتر تدخلك في عالم هائل من الأفكار والعقائد والديانات ، المهم ، كيف تستبيح لنفسها قيادة دينية أيا كانت أن تطالب رجالها باعتقال مواطن لأنه رغب في التحول عن المسيحية إلى الإسلام أو أي ديانة أخرى ، ما هو المبرر الإنساني أو الأخلاقي أو الديني الذي يبيح مثل هذا السلوك الإرهابي ، وأنكى من ذلك أن تذهب قيادة مسيحية إلى الأزهر وتطالبه بإصدار توصية إلى الجهات الرسمية للبحث عن الشاب الذي أسلم واعتقاله وتسليمه إلى الكنيسة ، على طريقة وفاء قسطنطين ، التي اعتقلت قبل سنوات من قبل "الحكومة" الكنسية وتم التحفظ عليها في مكان غير معروف ، حيث لا تعرف إن كانت حية أو ميتة ، ورغم الاتهامات المتعددة بقتلها ، فإن جهة رسمية واحدة لم تطلب التحقق من وضع "المواطنة" وفاء ، وحالتها النفسية والصحية والإنسانية ، الدولة عندما تنسحب من مسؤولياتها الدستورية والقانونية على هذا النحو الفاضح تكون شريكة في صناعة الفتنة ، لأنها ترسي مبادئ جديدة مفادها أن حماية "المواطنين" هي مسؤولية جهات أخرى غيرها ، والمؤكد أن الجهات ستتعدد ، طالما اختفت الدولة من المشهد .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق